ابن تيمية

73

مجموعة الفتاوى

كَمَنْفَعَةِ أَرْضٍ لِلزَّرْعِ أَوْ بِنَاءٍ لِلسَّكَنِ . وَأَمَّا إنْ كَانَ الْمَقْصُودُ هُوَ الثَّمَرَ فَقَطْ ؛ وَمَنْفَعَةُ الْأَرْضِ أَوْ الْمَسْكَنِ لَيْسَتْ جُزْءاً مِن المَقْصُودِ ؛ وَإِنَّمَا أُدْخِلَتْ لِمُجَرَّدِ الْحِيلَةِ كَمَا قَدْ يُفْعَلُ فِي مَسَائِلِ " مُدِّ عَجْوَةٍ " لَمْ يَجِئْ هَذَا الْأَصْلُ . " الْأَصْلُ الثَّانِي " : أَنْ يُقَالَ : إكْرَاءُ الشَّجَرِ لِلِاسْتِثْمَارِ يَجْرِي مَجْرَى إكْرَاءِ الْأَرْضِ لِلِازْدِرَاعِ وَاسْتِئْجَارِ الظِّئْرِ لِلرِّضَاعِ . وَذَلِكَ : أَنَّ الْفَوَائِدَ الَّتِي تُسْتَخْلَفُ مَعَ بَقَاءِ أُصُولِهَا تَجْرِي مَجْرَى الْمَنَافِعِ وَإِنْ كَانَتْ أَعْيَاناً وَهِيَ ثَمَرُ الشَّجَرِ وَلَبَنِ الْآدَمِيَّاتِ وَالْبَهَائِمِ وَالصُّوفِ وَالْمَاءِ الْعَذْبِ : فَإِنَّهُ كُلَّمَا خُلِقَ مِنْ هَذِهِ شَيْءٌ فَأَخْذُ خَلْقِ اللَّهِ بَدَلَهُ مَعَ بَقَاءِ الْأَصْلِ كَالْمَنَافِعِ سَوَاءٌ . وَلِهَذَا جَرَتْ فِي الْوَقْفِ وَالْعَارِيَة وَالْمُعَامَلَةِ بِجُزْءٍ مِن النَّمَاءِ مَجْرَى الْمَنْفَعَةِ ؛ فَإِنَّ الْوَقْفَ لَا يَكُونُ إلَّا فِيمَا يَنْتَفِعُ بِهِ مَعَ بَقَاءِ أَصْلِهِ . فَإِذَا جَازَ وَقْفُ الْأَرْضِ الْبَيْضَاءِ أَوْ الرِّبَاعِ لِمَنْفَعَتِهَا فَكَذَلِكَ وَقْفُ الْحِيطَانِ لِثَمَرَتِهَا وَوَقْفُ الْمَاشِيَةِ لِدَرِّهَا وَصُوفِهَا وَوَقْفُ الْآبَارِ وَالْعُيُونِ لِمَائِهَا ؛ بِخِلَافِ مَا يَذْهَبُ بِالِانْتِفَاعِ كَالطَّعَامِ وَنَحْوِهِ فَلَا يُوقَفُ . وَأَمَّا " بَابُ الْعَارِيَة " فَيُسَمُّونَ إبَاحَةَ الظُّهْرِ إفْقَاراً يُقَالُ : أَفْقَرَهُ الظُّهْرُ . وَمَا أُبِيحَ لَبَنُهُ : مَنِيحَةً . وَمَا أُبِيحَ ثَمَرُهُ : عَرِيَّةً وَغَيْرُ ذَلِكَ عَارِيَةٌ وَشَبَّهُوا ذَلِكَ بِالْقَرْضِ الَّذِي يَنْتَفِعُ بِهِ الْمُقْتَرِضُ ثُمَّ يَرُدُّ مِثْلَهُ . وَمِنْهُ قَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " { مَنِيحَةُ لَبَنٍ أَوْ مَنِيحَةُ وَرَقٍ }